مقال بعنوان : الأربعينية حينَ تكونُ الأقدامُ أقلامًا
بقلم : أ.د.حيدر أحمد حسين الزبيدي
ليست كلُّ كتابة تُسَطَّرُ بالحبر، ولا كلُّ رسالةٍ تُخَطُّ بالأقلام فثمَّةَ كلمات تُكتَب بالدموع، وأخرى تُنقَش بالدماء، وثالثة تكتبها الأقدام وهي تمضي نحو الحق. ومن هنا كانت الأربعينية كتابًا مفتوحًا، لا تُقلِّبُ صفحاته الأيدي، بل تُقلِّبُها الخطى، ولا يقرأه البصرُ وحده، بل تقرؤه البصائر.
في الأربعينية تتحول الأقدام إلى أقلام، ويغدو الطريق صحيفةً بيضاء، يخطُّ عليها الملايين سيرة الوفاء. فكلُّ خطوةٍ حرف، وكلُّ مسيرٍ جملة، وكلُّ قافلةٍ فصلٌ من كتابٍ لا تنتهي قراءته. وإذا كانت الأقلامُ تحفظُ الأفكار، فإن أقدامَ الزائرين تحفظُ القيم؛ لأن الفكرة قد تُنسى، أما القيمةُ إذا مشت على الأرض فلن تموت.
إنَّ القلمَ قد يكتبُ ما يؤمن به صاحبُه، أما القدمُ فلا تمشي إلا إلى ما سكن القلبَ وعمرَ الروح. ولذلك لم يكن طريقُ الأربعين طريقًا جغرافيًا تُقاسُ مسافتُه بالكيلومترات، بل طريقًا إيمانيًا تُقاس منزلتُه بما يغرسه في النفس من صبرٍ وإخلاصٍ وتواضع. هناك تُصبح المسافاتُ قصيرةً أمام الشوق، ويصغر التعبُ أمام المحبة، ويغدو الجسدُ خادمًا لروحٍ تعلَّقت بالحسين عليه السلام.
وما أعجب هذا القلمَ العجيب! فهو لا يحتاج إلى مداد، بل إلى عزيمة ولا إلى ورق، بل إلى طريق ولا إلى يدٍ تكتبه، بل إلى قلبٍ يقوده. وكلما اشتدَّ وهجُ الشمس، ازداد سطوعُ الحروف، وكلما أثقلت الأقدامُ بالجراح، ازدادت الكلماتُ صدقًا؛ لأن أعظم النصوص هي التي تكتبها التضحية، لا الرفاه.
وفي هذا الطريق تُكتب أعظمُ معاني الإنسانية؛ إذ ترى الغنيَّ والفقير، والصغيرَ والكبير، يسيرون في سطرٍ واحد، كأنهم كلماتٌ اصطفَّت في جملةٍ عنوانُها: (الحسين يجمع ما فرَّقته الدنيا). فلا تُعرَفُ المناصبُ بالثياب، ولا المقاماتُ بالألقاب، وإنما تُعرَف القلوب بصدق اتجاهها.
ولعلَّ أجمل ما في هذه الأقلام أنها لا تكتب تاريخًا مضى، بل تصنع تاريخًا يتجدد. فالأربعينية ليست استذكارًا لفاجعةٍ فحسب، وإنما إعلانٌ متواصلٌ بأن المبادئ لا تموت، وأن الحقَّ إذا وجد من يمشي إليه بقي حيًّا في ضمير الأمم، مهما حاول الباطل أن يطوي صفحاته.
وهكذا، تبقى الأقدامُ في الأربعينية أقلامًا، ويبقى الطريقُ دفترًا، ويبقى الوفاءُ عنوانًا لا يمحوه الزمن. فإذا سأل التاريخُ من كتبَ ملحمة الحسين بعد كربلاء؟ فالجواب لم تكتبها الحروف، بل كتبتها الملايينُ بخطاها، حتى صار الطريقُ نفسه نصًّا خالدًا، يقرأه العالمُ كلَّ عام، ويزداد به إيمانًا بأن الكلمة التي سُقيت بالدم لا تزال تمشي على الأرض.
وفي الختام، ليست الأربعينية طريقًا يُقطَع، بل حقيقةٌ تُدرَك، وليست مسيرًا تنتهي خطواتُه عند ضريحٍ مبارك، بل مسيرةً تبدأ منه إلى ضمير الإنسان. فإذا كانت الأقلام تحفظ التاريخ، فإن الأقدام تصنعه، وإذا كانت الكتب تروي سيرة الحسين، فإن طريق الأربعين يبرهن أن تلك السيرة ما زالت تنبض في قلوب الأحرار.
وسيبقى الطريق شاهدًا لا يشيخ، وتبقى الخطى كلماتٍ لا يطويها النسيان، ويظلُّ الحسين عليه السلام يعلِّم الإنسانية أن المبادئ لا تموت ما دام هناك من يكتبها بعمله قبل قلمه، وبوفائه قبل كلامه. ولذلك ستظل الأربعينية في كل عام كتابًا مفتوحًا، لا تُقرأ صفحاته بالعيون وحدها، بل بالقلوب كتابًا عنوانه الوفاء، ومدادُه الإيمان، وحروفُه خطى العاشقين، وخاتمتُه التي لا تنتهي إنَّ الأقدامَ إذا سارت إلى الحقِّ، أصبحت أقلامًا تكتب الخلود.

